عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
368
اللباب في علوم الكتاب
عيسى يحيي الموتى بدعائه ، ومعنى « ليطمئنّ قلبي » على أني لست أقلّ منزلة من عيسى ، أو أنّه سارع في الطّاعة بذبح ولده ، كأنه قال أمرتني أن أجعل ذا روح بلا روح ، ففعلت ، فأنا أسألك أن تجعل غير ذي روح روحانيّا ؛ ليطمئن قلبي بإجابتك ، أو أنّ المعنى أرني كيف يكون الحشر يوم القيامة ؟ أي : ليطمئنّ قلبي بهذا التشريف أو يكون قصّة سماع الكلام ، لا نفس الإحياء ] « 1 » . قال ابن الخطيب « 2 » : وهاهنا سؤال صعب ، وهو أنّ الإنسان حال حصول العلم له إمّا أن يكون مجوّزا لنقيضه أو لا . فإن جوّز نقيضه بوجه من الوجوه ، فذلك ظنّ قويّ لا اعتقاد جازم ، وإن لم يجوّز نقيضه بوجه من الوجوه ، امتنع وقوع التفاوت في المعلوم . وهذا الإشكال إنما يتوجّه إذا قلنا : المطلوب هو حصول الطمأنينة في اعتقاد قدرة اللّه تعالى على الإحياء ، أمّا إذا قلنا : المقصود شيء آخر ، فالسؤال زائل . روى أبو هريرة - رضي اللّه عنه - أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - قال : « نحن أولى بالشّكّ من إبراهيم ، إذ قال : ربّ أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئنّ قلبي ورحم اللّه لوطا ، لقد كان يأوي إلى ركن شديد ، ولو لبثت في السّجن طول ما لبث يوسف لأجبت الدّاعي » « 3 » وأخرج مسلم بن الحجّاج هذا الحديث عن حرملة بن يحيى عن ابن وهب مثله . وقال : نحن أحقّ بالشّكّ من إبراهيم إذ قال ربّ أرني كيف تحيي الموتى » . حكى محمد بن إسحاق بن خزيمة عن أبي إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى المزني أنه قال على هذا الحديث : لم يشكّ النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - ولا إبراهيم - عليه الصّلاة والسّلام - أنّ اللّه قادر على أن يحيي الموتى ، وإنّما شكّا أنه : هل يجيبهما إلى ما سألاه ؟ وقال أبو سليمان الخطّابي ليس في قول ه « نحن أحقّ بالشّكّ من إبراهيم » اعتراف بالشكّ على نفسه ، ولا على إبراهيم ، ولكن فيه نفي الشّكّ عنهما يقول : إذا لم أشكّ أنا في قدرة اللّه ، على إحياء الموتى ، فإبراهيم أولى ألا يشكّ ، وقال ذلك على سبيل التّواضع ، وهضم النّفس ، فكذلك قوله : « لو لبثت في السّجن طول ما لبث يوسف لأجبت الدّاعي » وفيه إعلام بأنّ المسألة من إبراهيم لم تعرض من جهة الشك ، لكن من قبل زيادة العلم بالعيان ؛ فإن العيان يفيد من المعرفة والطمأنينة ما لا يفيده الاستدلال .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 35 - 36 . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 4 / 290 ) كتاب الأنبياء باب قول اللّه عز وجل ونبئهم رقم ( 3372 ) ، ( 6 / 67 ) كتاب التفسير باب سورة البقرة رقم ( 4537 ) ومسلم رقم ( 133 ، 1839 ) وابن ماجة ( 4026 ) وأحمد ( 2 / 326 ) والطحاوي في « مشكل الآثار » ( 1 / 134 ) والبغوي في « شرح السنة » ( 1 / 114 ) .